السيد محمد حسين فضل الله
137
من وحي القرآن
في ذهنه مما يؤدي به إلى أن يرى الحسن قبيحا والقبيح حسنا ، ويتحول ذلك إلى التخبط في مجاله العملي ؟ لعل هذا هو الأقرب - واللَّه العالم - لمناسبته للفقرة التالية ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا فقد جرت هذه الفقرة مجرى التعليل لحالتهم في التشبيه ، إذ اختلط الأمر عليهم ، فاستنكروا الموقف السلبي ضد الربا في الوقت الذي يكون الموقف فيه إيجابيا تجاه البيع ، وخيّل إليهم أن البيع مثل الربا ، لاشتمال كل منهما على الربح والزيادة ، ولكن هذا الموقف خاطئ ، فإن البيع يؤدي إلى تسهيل عملية التبادل في المجتمع في ما تختلف فيه خصائص الأشياء ، فيدفع الإنسان إلى غيره ما يستغني عنه في مقابل الحصول على ما يحتاج إليه ، لتعود المنفعة إليهما معا في ما يفترق به كل من العوضين من خصوصيات متنوعة ، وبذلك تتقدم الحياة وتنمو وتزدهر . أما الربا ، فإنه لا يضيف إلى المشتري الذي يأخذ مثل ما يدفع بزيادة أية ميزة تفرض ذلك ، مما يجعل الزيادة أكلا للمال بالباطل من جهة ، وانحرافا عن مصلحة الإنسان الفرد والمجتمع من جهة أخرى ، في ما قدمناه من حديث . وقد يرى بعض المفسرين ، أن التخبط قد يظهر في اعتبار الأصل فرعا ، لا كما هو كلام المرابين في عكس الموضوع ، وذلك بقياس البيع على الربا ، لأن من المعقول أن يقول الإنسان إن الذي تنهاني عنه كالذي تأمرني به ، وليس من المعقول أن يقول : إن الذي تأمرني به كالذي تنهاني عنه ، لأن معنى القول الأول ، أنه يسلّم أن الذي يؤمر به أصل ذو مزية يجب اتباعه ، لكنه يدعي أن الذي ينهى عنه ذو مزيّة مثله ، ولم يكن معنى كلامه إبطال المزية وإهماله كما يراه الممسوس « 1 » . ولكن هذا المعنى غير ظاهر من اللفظ في تحديد حالة الخبط ، بل
--> ( 1 ) انظر : م . س . ، ج : 2 ، ص : 419 .